الشيخ محمد هادي معرفة

32

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

7 - غلوّ في الأدب من العوامل التي كانت تبعث على اختيار قراءة - ولو كانت شاذّة خارجة على المشهور أو مخالفة لرسم الخط - هو غلوّ القارئ فيما اختصّ به من الأدب العربي ، معجبا بنفسه ، فيزعم الصحيح فيما رآه ، وفقا للقواعد العربيّة التي تسلّمها كلّيات لاينخرمْنَ بوجه ! من ذلك مانجده في أبي بكر العطّار تلميذ ابن شنبوذ ، كان أعلم دهره بالنحو والقراءة ، ومن ثمّ لم يكن يكترث بالمأثور من القراءات وكان يختار لنفسه قراءة يراها صحيحة ومناسبة في سياق معنى الآية ، فكان يقرأ : « فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نُجُبا » « 1 » بدل « نَجِيًّا » . « 2 » فكان مآل أمره أن ثارت عليه ضجّة الفقهاء ، وحاكمه الأمير ، فلم يستطع الدفاع فأراد ضربه لكنّه استسلم أخيرا فاستتيب . « 3 » ونستطيع أن نعلّل أكثر قراءات القرّاء النحويّين ، واستبدادهم بها كالكسائي - بهذا التعليل : « الغلوّ في الأدب مع شيء من الإعجاب بالنفس » . ( ملحوظة ) : كثير من أئمة النحو والأدب خطّؤوا القرّاء ورموهم بضعف المقدرة الأدبيّة ، ومن ثمّ شطبوا على قراءاتهم ممّا كانوا يرونها مخالفة للقواعد العربيّة ! هذا أبو عثمان المازني يُخطّئ قراءة أهل المدينة : « لَكُمْ فِيها مَعائِش » « 4 » بالهمز . قال هي خطأ ، فلا يلتفت إليها ، وإنّما اخذت عن نافع بن أبي نعيم ، ولم يكن يدري ما العربيّة . وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا . « 5 » وقال أبو العباس المبرّد : أمّا قراءة أهل المدينة : « هؤلاءِ بَناتي هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ » « 6 » - بنصب

--> ( 1 ) - يوسف 80 : 12 . ( 2 ) - إعجاز القرآن للرافعي ، ص 57 . ( 3 ) - النشر ، ج 1 ، ص 17 ؛ ومعرفة القرّاء الكبار للذهبي ، ج 1 ، ص 246 - 249 . ( 4 ) - الأعراف 10 : 7 ؛ والحجر 20 : 15 . ( 5 ) - البحرالمحيط ، ج 4 ، ص 271 ؛ والمنصف ، ج 1 ، ص 307 . ( 6 ) - هود 78 : 11 .